تابع الفرابي

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

تابع الفرابي

مُساهمة من طرف زهور شعور في الخميس 13 مارس - 4:36

ومذهب أبي نصر هو مذهب المدرسة التي عرفت في الإسلام بـ"الفلاسفة" أي مذهب الأفلاطونية الجديدة في صورته الإسلامية. وهذا المذهب كان الكندي قد بدأ يعبده من قبل، ووصل به ابن سينا في مصنفاته إلى أكمل صوره من بعد. ومن المرجح أن الفارابي قد خالف الكندي وابن سينا في بعض المسائل ولكن من العسير أن نحددها. ويجب أن نقف موقف التحفظ إن لم يكن موقف الشك عند بسط تفاصيل مذهبه. فمؤلفاته لم تصل إلينا جميعها وإنما وصل إلينا جانب ضئيل منها. ثم إن أسلوبه غامض بعض الشيء، فكثير من رسائله التي بين أيدينا عبارة عن نبذ مقتضبة غاية الاقتضاب يتلو بعضها بعضاً في غير ترتيب. زد على ذلك أننا لا نستطيع أن نأمن التناقض في مصنفات كثيرة يظهر فيها مرة بعد أخرى أثر أرسطو وأفلاطون وأفلوطين. بل لا يمكن أن تخلو من بعض التناقض أيضاً تلك الفكرة الأساسية في مذهبه التي تنحو إلى التوفيق بين أرسطو وأفلاطون من جهة، وبين هذه الفلسفة الناجمة عن التوفيق والعقيدة الإسلامية من جهة أخرى.
وقد اعتقد ده بور M.T.J. de Boer أنه يستطيع أن يدل على مواطن الخلاف البين بين أبي نصر وغيره من أعضاء مدرسة "الفلاسفة" وخاصة الرازي المشهور الذي عاصره. وهذا الخلاف على ما يرى ده بور ينحصر في أن مذهب أبي نصر يعتمد على القياس والنظر ويقوم بأكمله على المنطق الخالص، بينما تعتمد فلسفة الرازي على التجربة والاستقراء وتتجه دائماً نحو الأمور المادية المشخصة، ولست أعتقد أن هناك حقيقة مذهبين مختلفين، لأن مذهبيهما شقان أو مظهران لمذهب واحد أعم منهما: فقد تناول الرازي الجوانب المادية المشخصة من المذهب لأنه كان طبيباً وطبيعياً مشهوراً، بينما تناول الفارابي الجوانب المجردة منه لأنه كان أميل إلى المنطق والرياضيات والأنظار الصوفية. ونجد هذين الشقين ملتئمين في فلسفة ابن سينا.
على أنني بينت فرقاً بين أبي نصر وابن سينا في موقف التصوف من مذهبيهما. فالتصوف لا يظهر في مذهب ابن سينا إلا في آخره كتاج يتوجه، وهو جزء منفصل تمام الانفصال عما عداه من أجزاء مذهبه، وقد عالجه بمهارة فاتقة على أنه فصل من فصول فلسفته التي كان عليه أن ينشطها من جهة موضوعية بحتة. والأمر على نقيض ذلك عند الفارابي. فالتصوف يتخلل جميع مذهبه، وعبارات المتصوفة شائعة تقريباً في كل أقواله، وكأنما التصوف عنده ليس نظرية من النظريات وإنما هو حالة ذاتية. وقد ساهمت هذه الحالة الذاتية في جعل مذهبه غامضاً بعض الشيء.
ومن المعروف أن ابن سينا أكثر وضوحاً وأسد منهجاً واقوم نظاماً من الفارابي، وقد بلغت الفلسفة الإسلامية بمصنفاته إلى أكمل صورها؛ نلمس هذا التباين في وضوح الفكرة عند تعرضهما لمسألة هامة هي مسألة خلود كل نفس على انفرادهما. فالإنسان على الحقيقة هو النفس الناطقة أو "العقل" الذي يشرق عليه عالم الروح والمعاني أي "العقل الفعال" وذلك العقل هو ما يبقى من الإنسان بعد موته. ولكن هل يبقى متحداً بالعقل الفعال؟ أم يظل مستقلاً بذاته حافظاً لمشخصاته؟ كتب أبو نصر بعض فقرات على وجه يجعلنا نعتقد بأنه كان من أنصار الرأي الأول، ومع ذلك فلا سبيل إلى الشك في أنه كان يعتقد خلود كل نفس على انفرادها، فهناك في كتابه "المدينة الفاضلة" فقرة يبين فيها أن النفوس الخيرة تصل إلى المدينة السماوية، وأن كل واحدة منها تذوق من اللذة ما يعدل عدد النفوس كلها. وقد زعم ابن طفيل أيضاً - وكان لا يميل إلى أبي نصر على ما يظهر – أن فيلسوفنا كان متشككاً في خلود كل نفس على انفرادها (S.Munk، مقالة عن الفارابي في Dictionnaire des Sciences philosophiques) وهذا الاتهام يجب أن يعزى سره إلى بعض فقرات كتبها الفارابي على وجه ناقص غامض.
وقد أشار ده بور أيضاً إلى فارق آخر بين الفارابي وغيره من فلاسفة مدرسته، وهو أن ابن سينا لم يجعل المادة صادرة عن الله كما جعلها الفارابي. ويقول هذا الكاتب إن الفارابي تصور المادة على أنها فائضة عن الله بتنقلها في أوساط روحية مختلفة. ولست أعتقد أن هذا الرأي صائب، ذلك لأن الفارابي في رسالته المسماة "مبادىء الموجودات" التي بقيت لنا ترجمتها العبرية بقلم موسى بن تبون (طبعة فيليبوفسكي في ليبسك 1849) يذكر سلسلة المبادىء على وجه يجعلها أشبه شيء بالفيض: إذ يفيض عن الله العقل الأول أو العلة الأولى، ويفيض عن هذه عقول الأفلاك على ترتيبها وآخرها العقل الفعال. ويتلو ذلك النفس الكلية ثم الصورة ثم المادة آخر الأمر. وتتمشى إلهيات ابن سينا مع هذا الترتيب تماماً

زهور شعور
تلميذ فعال
تلميذ فعال

عدد الرسائل : 134
العمر : 22
تاريخ التسجيل : 18/02/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى