خطبة الجمعة في المسجد النبوي الشزيف

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل

خطبة الجمعة في المسجد النبوي الشزيف

مُساهمة من طرف achir asma في الأربعاء 9 أبريل - 8:29

بسم الله الرحمن الرحيم
خطبة الجمعة في المسجد النبوي بالمدينة النبوية
لفضيلة الشيخ : علي الحذيفي

بتاريخ : 8- 3-1424هـ

وهي بعنوان : مفهوم الإحسان


الحمد لله عظيم الشأن، قديم الإحسان، أبدي السلطان، أحمد ربي وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، الرحيم الرحمن، وأشهد أن نبينا وسيدنا محمدًا عبده ورسوله، بعثه الله إلى الإنس والجان، فبلّغ الرسالة وأدى الأمانة، ونصح للأمة، وجاهد في الله حق جهاده، فلا توانى ولا تأخر، اللهم صلِّ وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، وعلى آله وصحبه السادة الغُرر.

أمّا بعد:

فاتّقوا الله ـ عبادَ الله ـ حقَّ تقواه، فإنَّ تقواه تبلُغون بها رضاه وثوابَه، وتتَّقون بها غضبَه وعقابه.

أيّها المسلمون، إنَّ غايةَ الإسلام الكبرى وتشريعاتِه العظمى هي الإحسانُ إلى النّفس والإحسان إلى الخلق، فبهذا الإحسان إلى النّفس والإحسان إلى الخلق تكون منازلُ النّاس عند ربهم في الدّنيا والآخرة قُربًا وبُعدًا، وبهذا الإحسان تكون منزلة الإنسان عند الخَلق قَبولاً ونُفورًا. ولكون المأمورات والفرائض والمحرّمات والمنهيّات كلِّها ترجع إلى الإحسان فقد كتبَه الله وافترضه في تشريعه، عن أبي يعلى شدّاد بن أوس رضي الله عنه، عن النبيّ قال: ((إنّ الله كتب الإحسان على كلّ شيء، فإذا قتلتُم فأحسِنوا القِتلة، وإذا ذبحتم فأحسِنوا الذِّبحة، وليُحدَّ أحدكم شفرتَه، ولْيُرح ذبيحته)) رواه مسلم.

فقوله : ((إنّ الله كتب الإحسانَ على كلّ شيء)) له معنيان:

المعنى الأوّل: إنّ الله تعالى كتب الإحسانَ في كلّ شيء من الأعمال الواجِبة، بأن يؤدِّيَها المسلم على وجه الكمال في واجباتها، ويجتهدَ في مستحبّاتها، وأن يُحسِن في ترك المحرّمات بالانتهاء عن ظاهرها وباطنها، كما قال تعالى: وَذَرُواْ ظَـٰهِرَ ٱلإِثْمِ وَبَاطِنَهُ[الأنعام:120]. فالإحسان بأداء الفرائضِ وترك المحرّمات إحسانٌ إلى النّفس، وأعظمُ الإحسان إلى النّفس توحيدُ الله تعالى بعبادة الله وحدَه لا يُشرك به شيئًا، وما بَعد ذلك تابعٌ لهذا الأصلِ العظيم.

والمعنى الثاني: إنّ الله كتب الإحسانَ على كلّ أحد إلى كلِّ مخلوق، فالإحسان إلى كلِّ مخلوق بحَسَبه.

وقد أمر الله تعالى بالإحسان أمرًا مطلقًا عامًّا، فقال تعالى: وَأَحْسِنُواْ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ[البقرة:195]، وقال عزّ وجلّ: إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإِحْسَانِ وَإِيتَآء ذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَاء وَٱلْمُنْكَرِ وَٱلْبَغْى يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ[النحل:90].

وأمر بالإحسان مقيَّدًا مفصلاً، فأمر بالإحسان إلى الوالدين، وأمر بالإحسانِ إلى الأقرباء وإلى الجار والفقراءِ والضعفاء، وبالإحسان إلى المنكوبين بكوارثَ كونيّة أو عدوّ نازل، وبالإحسان إلى اليتامى وغيرهم.

والإحسان إلى الخلق معناه بذلُ الخير وكفُّ الشرّ.

وأجمع الآيات في كتاب الله تعالى التي تأمر بالإحسان إلى النّفس والإحسان إلى الخلق قوله تعالى: وَٱعْبُدُواْ ٱللَّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِٱلْوٰلِدَيْنِ إِحْسَـٰناً وَبِذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْيَتَـٰمَىٰ وَٱلْمَسَـٰكِينِ وَٱلْجَارِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِ وَٱلصَّـٰحِبِ بِٱلجَنْبِ وَٱبْنِ ٱلسَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَـٰنُكُمْ إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً[النساء:36]، وقوله تعالى: إِنَّ ٱللَّهَ يَأْمُرُ بِٱلْعَدْلِ وَٱلإِحْسَانِ وَإِيتَآء ذِى ٱلْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ ٱلْفَحْشَاء وَٱلْمُنْكَرِ وَٱلْبَغْى[النحل:90].

ومعنى قوله تعالى: وَٱلْجَارِ ذِى ٱلْقُرْبَىٰ: الجار المسلم القريب.

وَٱلْجَارِ ٱلْجُنُبِالكافر كما في حديث جابر رضي الله عنه، عن النبي أنّه قال: ((الجيران ثلاثة: جارٌ له حقّ واحد وهو أدنى الجيران حقًّا، وجار له حقان، وجار له ثلاثة حقوق وهو أفضل الجيران حقًا. فأمّا الذي له حقّ واحد فجارٌ كافر لا رحِم له له حقّ الجوار. وأمّا الذي له حقّان فجار مسلم له حقّ الإسلام وحقّ الجوار. وأمّا الذي له ثلاثة حقوق فجارٌ مسلم ذو رحِم له حقّ الإسلام وحقّ الجوار وحقّ الرحم)) رواه البزار في مسنده وأبو نعيم في الحلية.

وأمّا الصاحب بالجنب ففسّره طائفة من أهل العلم بالزّوجة، وفسّره بعضُهم بالرفيق في السّفر، ويدخل فيه الصّاحب في الحضر من باب أولى.

ومِن أعظم الإحسان إلى الخلق معاملةُ النّاس بمقتضى الشرع الحنيف، بالوفاء والصّدق والعدل والرّحمة والتواضع والصّبر والاحتمال والقول الحسن، وأن تعاملَهم بما تحبّ أن يعاملوك به، قال الله تعالى: يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ أَوْفُواْ بِٱلْعُقُودِ[المائدة:1]، وقال تعالى: وَأَوْفُواْ بِعَهْدِ ٱللَّهِ إِذَا عَـٰهَدتُّمْ وَلاَ تَنقُضُواْ ٱلأيْمَـٰنَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ ٱللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً[النحل:91]، وقال تعالى: يَـٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّـٰدِقِينَ[التوبة:119]، وقال تعالى: يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءامَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّهِ شُهَدَاء بِٱلْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ ٱعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ[المائدة:8]، وقال عزّ وجلّ: كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ[آل عمران:110]، وفي الحديث عن النبي : ((الراحمون يرحمُهم الرحمن))، وقال عزّ وجلّ: وَعِبَادُ ٱلرَّحْمَـٰنِ ٱلَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَىٰ ٱلأرْضِ هَوْناً وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الجَـٰهِلُونَ قَالُواْ سَلاَماً[الفرقان:63]، وقال تعالى: وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ[البقرة:83]، وقال عزّ وجلّ: وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوٰلَكُمْ بَيْنَكُم بِٱلْبَاطِلِ[البقرة:188]، وعن عقبة بن عامر رضي الله عنه قال: قال رسول الله : ((يا عقبة، ألا أخبرك بأفضلِ أخلاق الدنيا والآخرة؟! تَصِلُ من قطعك، وتعطي من حرمَك، وتعفو عمَّن ظلمك)) أخرجه أحمد والحاكم، وعن أبي الدرداء رضي الله عنه، عن النبي قال: ((ما مِن شيء يوضَع في الميزان أثقل من حُسن الخلق، وإنَّ صاحبَ حُسن الخلق ليبلغ به درجةَ صاحب الصّوم والصلاة)) رواه أحمد وأبو داود والترمذي.

فحُسن الخلق من الإحسان إلى النّفس ومن الإحسان إلى الخلق، عن أبي هريرة رضي الله عنه، عن النبيّ قال: ((لقد رأيتُ رجلاً يتقلَّب في الجنة في شجرةٍ قطعها من ظهر الطريق، كانت تؤذي المسلمين)) رواه مسلم.

فأحسِنوا ـ عبادَ الله ـ إلى نفوسكم وإلى خلق الله تعالى، بما أمركم به من الطاعات، وبترك ما نهاكم عنه من المحرّمات، قال الله تعالى: وَسَارِعُواْ إِلَىٰ مَغْفِرَةٍ مّن رَّبّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا ٱلسَّمَـٰوٰتُ وَٱلأرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ فِى السَّرَّاء وَٱلضَّرَّاء وَٱلْكَـٰظِمِينَ ٱلْغَيْظَ وَٱلْعَـٰفِينَ عَنِ ٱلنَّاسِ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلْمُحْسِنِينَ[آل عمران:133، 134].

بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعنا بهدي سيِّد المرسلين وبقوله القويم، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه، إنّه هو الغفور الرحيم.

achir asma

عدد الرسائل : 19
العمر : 23
المؤسسة : sidi lhaje lhbibe
المستوى الدراسي : 8/1
تاريخ التسجيل : 30/03/2008

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة


 
صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى